في شهادة تاريخية استثنائية، استعرض راشد عبد الله النعيمي، وزير الخارجية الإماراتي الأسبق، ملامح الحقبة المنسية من تاريخ دولة الإمارات قبل قيام الاتحاد، وكيف شاركت جميع الإمارات مع الشيخ زايد في هندسة الدولة الاتحادية.

ومن خلال "الصندوق الأسود"، كشف النعيمي عن تفاصيل قاسية للحياة قبل النفط، ومخاض ولادة الدولة الإماراتية، مسلطاً الضوء على كواليس سياسية وعسكرية شكلت وجدان المنطقة وتوجهاتها الإقليمية.

عجمان الأربعينيات: حياة الكفاف وصراع البقاء

استذكر النعيمي طفولته في إمارة عجمان واصفاً إياها بأنها كانت مزيجاً من ثلاثة فصول (البحر، البر، والمزرعة)، حيث كان العمل اليدوي هو السبيل الوحيد للبقاء. وقال النعيمي في حديثه: "كنا نتعلم في البر أخلاق البدو والفروسية، وفي البحر كنا نتعامل مع مواسم الغوص والصيد، بينما في الصيف ننتقل لممارسة الزراعة".

ووصف النعيمي مشهد الفقر المدقع الذي ضرب المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية نتيجة انقطاع المواصلات وانهيار سوق اللؤلؤ، قائلاً: "مظاهر الفقر بدأت تظهر بوضوح، لدرجة أن بعض الناس كانوا يلبسون (الخيش) ويفتحون فيه فتحات للرأس واليدين لستر أجسادهم"، مؤكداً أن الحاجة كانت فوق الوصف في تلك الأيام.

وفي تفاصيل صادمة عن شظف العيش، كشف الوزير الأسبق عن لجوء البعض لأكل "الخصف" (وعاء التمر المصنوع من السعف) لامتصاص بقايا "الدبس" والسكر منه، موضحاً: "الحاجة كانت كبيرة، لدرجة أن البعض كان يأخذ الخصف ويبلله بالماء ليمتص طعم التمر والسكر منه ليحصل على الطاقة"، مشيراً إلى أن هذه الحالة لم تكن تعم الجميع لكنها كانت سمة بارزة لقطاع واسع.

وعن بدايات عمله، أشار النعيمي إلى كدحه المبكر في مهن شاقة كصناعة الجص وجمع الحطب من البر لبيعه في الأسواق، مؤكداً: "بدأنا ونحن صغار نمارس الكسب، وكان مهماً بالنسبة لنا أن نخرج الصباح ونعود بالمساء بشيء من الرزق لعائلاتنا"، في إشارة إلى غياب أي مصدر دخل ثابت للأسر آنذاك.

الوعي السياسي: نفوذ "برلين" والعداء للمستعمر البريطاني

تطرق النعيمي إلى تشكل الوعي السياسي لدى سكان الساحل، كاشفاً عن تعاطف خفي مع الألمان ضد البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية، موضحاً: "كان الناس يعتبرون الإنجليز مستعمرين، ويعتقدون أن الألمان ربما يكونون أحسن منهم، دون أن يدركوا أن كل استعمار له مرارته".

وأشار إلى الدور الكبير الذي لعبته الإذاعة في صياغة هذا الوعي، مستشهداً ببرنامج "حي العرب" من برلين، وقال: "كان المذيع يونس بحري بليغاً ومؤثراً، يزوده الألمان بمعلومات دقيقة ضد الإنجليز، وكان الناس يسمعون ويتأثرون بما يطرحه من برلين"، مما خلق فجوة كبيرة بين السكان والسلطة البريطانية القائمة.

وعن طبيعة السيطرة البريطانية، أكد النعيمي أنها كانت سلطة "حازمة ومطلقة" لا تسمح بأي حراك سياسي يعارض مصالحها، مستشهداً بنفي شخصيات وطنية إلى الهند، وقال: "الإنجليز لم يكونوا يحاسبون على النوايا بل على الفعل، وكان النفي هو الأداة لتخويف الناس وضمان عدم خروجهم عن السيطرة".

وفي ما يخص القومية العربية، أوضح النعيمي أن المد الناصري هو من عزز هذا الشعور لاحقاً، لكنه انتقد الفجوة بين الخطاب والواقع، قائلاً: "تفاعلنا مع خطابات جمال عبد الناصر، ولكن ثبت لاحقاً أن القوة التي كنا نعتمد عليها كانت مبالغاً فيها وصوتية أكثر منها فعلية على الأرض"، في إشارة إلى صدمة نكسة 1967.

عهد الشيخ زايد: من "الديوان" إلى دولة المؤسسات

وصف النعيمي تولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في أبوظبي عام 1966 بالحدث المفصلي الذي غيّر خارطة المنطقة، قائلاً: "الشيخ زايد بدأ بمنظور مختلف، وكان له تأثير ليس فقط على أبوظبي بل على منطقة الساحل كلها، عبر رؤية طموحة لتعويض الناس عن الحرمان".

وكشف الوزير الأسبق عن الحالة البدائية للإدارة قبل الشيخ زايد، حيث لم تكن هناك دوائر حكومية بالمعنى الحديث، موضحاً: "عندما استلم الشيخ زايد لم يكن هناك غير (الديوان)، وهو الذي بدأ بتأسيس الدوائر من الصفر كالأشغال والمعارف والصحة، بينما الإنجليز لم يتركوا خلفهم أي إدارة مؤسسية".

وأشاد النعيمي بعقلية الشيخ زايد الاستثمارية، حيث كان يقترض بضمان عوائد النفط المستقبلية لبناء البنية التحتية، وقال: "بدأ الشيخ زايد ما يسميه الاقتصاديون (دورة المال)، فكان ينفق ويبني الطرق والمدارس برؤية تؤمن بأن المال يجب أن يُصرف لرفع مستوى معيشة الشعب".

وعن فلسفة الاتحاد، أشار النعيمي إلى أن الشيخ زايد كان يرى الاتحاد "عطاءً لا أخذاً"، موضحاً: "في وقت كانت فيه بعض الأطراف تساوم وتطلب مقابلاً لكل تنازل، كان الشيخ زايد يقول أنا من سيمول الاتحاد، وكانت تضحيته هي المحرك الأساسي لإقناع الجميع بالانضمام".

النعيمي والحركات الإسلامية: تدين "فطري" ورفض للتوظيف السياسي

نشأ راشد النعيمي في بيئة إماراتية محافظة، حيث كان جده إماماً للمسجد الجامع في عجمان، وهو ما منحه حصانة مبكرة ضد الاستقطابات الحركية. وعن هذه الخلفية، يوضح النعيمي أن تدينه لم يكن حزبياً بل نابعاً من أصالة المجتمع، قائلاً: "نحن عائلة متدينة، وأنا نفسي متدين.. هذه الأمور كانت قواعد أساسية في بيتنا، وقد تربينا على حفظ القرآن ومعرفة الدين كجزء من تكويننا الداخلي، بعيداً عن أي شعارات سياسية".

ويرى النعيمي أن هذا التدين الفطري هو الذي حمى مجتمع الإمارات من الانجرار خلف التيارات الوافدة في بدايات التأسيس.

خلال سنوات دراسته في القاهرة، رصد النعيمي عن قرب صراع السلطة الناصرية مع "الإخوان المسلمين"، وقدم قراءة نقدية لطريقة تعامل الأنظمة مع هذه الحركات. ويقول في شهادته: "مصر كانت تمر بفترات تُقرب فيها فئة من الفئات؛ مرة يقربون الاشتراكيين، ومرة يقربون الإخوان المسلمين.. النظام كان يقرب هذه الفئات أو يبعدها حسب احتياجاته السياسية للدعم".

ويشير هنا بوضوح إلى أن التعامل مع الحركات الإسلامية كان يخضع لموازنات القوة والبراغماتية السياسية أكثر من كونه صراعاً عقائدياً صرفاً.

أما عن نظرته الشمولية لهذه التيارات، فيبدو النعيمي زاهداً في الأيديولوجيات التي انقسمت إليها الأمة في الستينيات، معتبراً إياها صراعات "وهمية" لم تخدم الإنسان الخليجي أو العربي. ويؤكد النعيمي: "هذا الصراع بين يمين ويسار، وتقدمي ورجعي، بُني على (وهم) ولم تكن له مصالح حقيقية.. المؤسسات التي شكلها الفكر الأيديولوجي في بعض الأماكن انتهت لأنها لم تكن مبنية على واقع". وتعكس هذه العبارة رؤيته التي تنحاز لبناء الدولة الوطنية الحديثة على حساب الأجندات الحركية العابرة للحدود.

وفي الشأن الإماراتي، يرى النعيمي أن النموذج الإماراتي نجح لأنه لم يسجن نفسه في صراعات اليمين واليسار، قائلاً: "الشيخ زايد كانت لديه رؤية طموحة لمساواة الناس وتنمية أوضاعهم، وهذا العمل الجماعي هو الذي أفاد الجميع، بعيداً عن فكرة المقايضة أو الولاءات الضيقة".

إكسبو اليابان 1970: أول ظهور دولي بـ "تمويل ذاتي"

يروي النعيمي كواليس تكليفه من قبل الشيخ زايد بتمويل وإدارة جناح أبوظبي في معرض "إكسبو اليابان"، وهو تحدٍ كبير لإمارة لم تكن قد نالت استقلالها بعد، وقال: "كانت المهمة صعبة، فكيف تمثل إمارة صغيرة في معرض عالمي يضم 200 دولة؟ فاستلهمنا التصميم من قلعة الجاهلية بالعين".

وكشف النعيمي عن "خدعة دبلوماسية" لتمويل الجناح بعد نفاد الميزانية، حيث بدأ ببيع القهوة العربية للزوار، موضحاً: "بعنا فنجان القهوة بدولار واحد، وأضفنا لها الهيل والمسمار لتعطي رائحة جذابة، وكان الزوار يقفون في طوابير طويلة لشراء (القهوة العربية) تحت مسمى خيالي مستوحى من ألف ليلة وليلة".

وأكد أن عوائد بيع القهوة غطت كافة مصاريف الجناح لستة أشهر، بل وفاضت، قائلاً: "صرفنا على المعرض وأعطينا الموظفين رواتبهم، وحتى تكاليف هدم الجناح بعد نهاية المعرض غطيناها من أرباح بيع القهوة، ولم نطلب ميزانية إضافية من الحكومة".

وختم النعيمي بالتأكيد على أن تلك المشاركة كانت "حجر الزاوية" في تعريف العالم بأبوظبي، موضحاً: "بنينا سمعة وتعريفاً دولياً في اليابان، وأظهرنا للعالم أن هناك قيادة طموحة في هذه المنطقة من الخليج تسعى للتطور واللحاق بركب الحداثة".