كشف تقرير حديث اعتمده المجلس الوطني الاتحادي عن تصاعد ملحوظ في التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الشباب المواطنين، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الزواج بنسبة تتراوح بين 10% و20% خلال السنوات الأخيرة، نتيجة عودة مظاهر البذخ والإسراف بعد انحسارها في فترة جائحة كوفيد-19، ما أدى إلى زيادة الأعباء المالية ودفع كثيرين إلى الاستدانة أو تأجيل خطوة الزواج.

وجاء التقرير ضمن مناقشة موضوع حماية الأسرة ومفهومها وكيانها، حيث رصد انعكاسات الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات الأساسية، وزيادة الإيجارات ونفقات السكن ورسوم التعليم والرعاية الصحية، على فرص تكوين الأسرة واستقرارها. وأكد أن هذه المتغيرات أفرزت تحديات رئيسية، أبرزها الحاجة إلى تحديد حد أدنى لرواتب موظفي الحكومة الاتحادية، ومراجعة مستويات الرواتب دورياً بما يتناسب مع تكاليف المعيشة.

فجوة تشريعية وتفاوت في الرواتب

وأشار التقرير إلى أن المادة (11) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (49) لسنة 2022 بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية، تنص على جواز إصدار مجلس الوزراء قراراً بتحديد حد أدنى للراتب الإجمالي للموظفين المواطنين، إلا أن هذا النص لم يُفعّل حتى الآن، ما أوجد فجوة تشريعية تتعلق بغياب مراجعة دورية لمستويات الرواتب وفقاً للمتغيرات الاقتصادية.

وبيّن التقرير أن الشباب المواطنين في الوظائف الاتحادية ذات الدرجات الدنيا يتقاضون رواتب متدنية نسبياً مقارنة بنظرائهم في بعض الحكومات المحلية أو في القطاع شبه الحكومي، ما قد لا يغطي متطلبات المعيشة للمقبلين على الزواج، ويدفع بعضهم إلى البحث عن عمل إضافي أو الاعتماد على دعم الأسرة أو تأجيل الزواج لسنوات.

تراجع عقود الزواج ومؤشرات مقلقة

وكشف التقرير عن تراجع أو ثبات شبه كامل في أعداد عقود الزواج بين عامي 2021 و2024 في عدد من إمارات الدولة. ففي الشارقة بلغ عدد العقود 2360 عقداً عام 2021، وارتفع بشكل طفيف إلى 2387 عقداً عام 2024، وهو نمو محدود لا يعكس الزيادة الطبيعية المتوقعة.

 فيما انخفضت العقود في الفجيرة من 761 إلى 659 عقداً، وفي أم القيوين من 187 إلى 163 عقداً، وفي عجمان من 1297 إلى 1171 عقداً خلال الفترة ذاتها.

واعتبر التقرير هذه الأرقام مؤشراً اجتماعياً يستدعي تعزيز الوعي الوطني بخطورة تأخر الزواج، وتطوير برامج إعلامية ومجتمعية تعيد الاعتبار لقيمة الزواج كأساس لبناء المجتمع واستدامة تماسكه.

تراجع معدلات الخصوبة

ولفت التقرير إلى انعكاسات عزوف الشباب عن الزواج على معدلات الإنجاب، مستنداً إلى بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء التي أظهرت تراجع معدل الخصوبة الكلي للمواطنين من 3.2 طفل لكل امرأة عام 2021 إلى 3.1 عام 2022، وصولاً إلى 2.9 طفل عام 2023، إلى جانب انخفاض عدد المواليد المواطنين خلال السنوات التسع الأخيرة.

14 تحدياً تواجه الأسرة الإماراتية

ورصدت الدراسة المرتبطة بالتقرير 14 مشكلة رئيسية تواجه الأسرة الإماراتية، تصدرتها المشكلات المالية والاقتصادية وارتفاع الأسعار، تلتها مباشرة تكاليف الزواج المرتفعة وغلاء المعيشة، إضافة إلى تراكم الديون والقروض الاستهلاكية، والإدمان الإلكتروني، والنمط الاستهلاكي المبالغ فيه، والسمنة، والطلاق، وسوء التخطيط المالي، والاعتماد على الخدم في تربية الأبناء، والتحديات المرتبطة بالمراهقين، فضلاً عن الأمراض المزمنة.

الحد الأدنى للأجور وتجارب محلية

واستعرض التقرير تجارب دولية تشير إلى أن نحو 90% من دول العالم تطبق أنظمة للحد الأدنى للأجور كأداة لتعزيز القدرة الشرائية وتقليص الفجوات، مع ضرورة ربطها بمعدلات التضخم.

وعلى المستوى المحلي، أبرز التقرير تجربة حكومة الشارقة التي رفعت في عام 2017 سلم الرواتب عند التعيين، قبل أن يوجّه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عام 2021 برفع الحد الأدنى لرواتب المواطنين في حكومة الإمارة إلى 25 ألف درهم شهرياً، في خطوة عززت الاستقرار الوظيفي والاجتماعي.

أما في القطاع الخاص، فأشار التقرير إلى أن المرسوم بقانون اتحادي رقم (33) لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل أجاز لمجلس الوزراء تحديد حد أدنى للأجور، إلا أنه لم يصدر قرار يُفعّل هذا النص حتى الآن، ما يبقي تحديد الأجور خاضعاً لقوى السوق، باستثناء برامج دعم توظيف المواطنين مثل نافس التي تشترط حداً أدنى للأجر للاستفادة من الدعم الحكومي.

البذخ الاجتماعي يرفع كلفة الزواج

وفي محور تكاليف الزواج، أكد التقرير أن عودة مظاهر الوجاهة الاجتماعية والمفاخرة أسهمت في رفع الكلفة بنسبة 10% إلى 20%، مع ارتفاع المهور وتعدد المتطلبات، من تجهيز السكن وشراء الأثاث والمجوهرات والهدايا، إلى ارتفاع أسعار القاعات والفنادق والخدمات المصاحبة.

وخلص التقرير إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب مقاربة شاملة تشمل تفعيل نصوص الحد الأدنى للرواتب، ومراجعة الأجور دورياً، وتعزيز ثقافة الاعتدال في تكاليف الزواج، بما يدعم استقرار الأسرة ويعزز أهداف التنمية المستدامة القائمة على تشجيع الزواج وزيادة معدلات الإنجاب وترسيخ التماسك المجتمعي.