كشف مقال تحليلي نشره موقع وور أون ذ روكس أن التوتر المتصاعد بين السعودية والإمارات لم يعد خلافًا تكتيكيًا عابرًا، بل يعكس تباعدًا استراتيجيًا عميقًا في كيفية إدارة المخاطر وبناء النظام الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط.

وقال الكاتب والباحث في شؤون الأمن الإقليمي الدكتور هـ. أ. هيلير إن أحداث أواخر ديسمبر 2025 في اليمن شكّلت أول مواجهة عسكرية مباشرة بين قوات مدعومة من الرياض وأبوظبي، منذ أكثر من عقد من التنسيق الوثيق بين البلدين. واعتبر أن هذه التطورات تمثل نقطة تحوّل في العلاقة بين القوتين الخليجيتين.

وبحسب المقال، سيطرت قوات مدعومة من الإمارات، عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، على ست محافظات جنوبية غنية بالنفط على امتداد الحدود مع السعودية، قبل أن تشنّ المملكة غارات جوية وتدفع بقوات مدعومة منها أدت خلال أيام إلى إنهاء تلك المكاسب بالكامل، وانتهى الأمر بتقلّص نفوذ المجلس الانتقالي إلى حدّ كبير وإعلانه حلّ نفسه بهدوء.

ويرى هيلير أن ما جرى لا يمكن فهمه بمعزل عن اختلاف جوهري في الرؤى الاستراتيجية، إذ تتبنّى السعودية نهجًا يقوم على خفض التصعيد واحتواء الأزمات بهدف حماية مسارها التنموي الداخلي، في حين تعتمد الإمارات سياسة نشاط استباقي ترى أن التدخل المبكر ضروري لمنع انهيار الترتيبات الهشة في الإقليم.

وأوضح الكاتب أن المقاربة السعودية تنطلق من قناعة بأن الخطر الأكبر يتمثل في انهيار الدول، لا في ضعفها، ولذلك تركّز الرياض على حماية الكيانات القائمة والحدود المعترف بها دوليًا، حتى وإن كانت هذه الدول تعاني من هشاشة داخلية. ويخدم هذا التوجّه، بحسب المقال، هدف المملكة في تحصين حدودها وتجنّب استنزاف مواردها في صراعات خارجية قد تعرقل مشاريع التحول الاقتصادي، وعلى رأسها "رؤية السعودية 2030".

في المقابل، تنظر أبوظبي إلى النظام الإقليمي باعتباره هشًا بطبيعته، وترى أن ترك الأوضاع المتدهورة من دون تدخل قد يفتح المجال أمام قوى مثل إيران أو الجماعات المتطرفة لتعزيز نفوذها. ومن هذا المنطلق، تسعى الإمارات، وفق المقال، إلى إعادة تشكيل بيئات غير مستقرة عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، تشمل دعم كيانات محلية حليفة، وبناء شبكات نفوذ في الموانئ، وانتهاج سياسات إقليمية أكثر استقلالية.

ويشير هيلير إلى أن هذا التباين تجلّى بوضوح في اليمن، حيث اعتبرت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي أداة لإعادة هندسة الحوكمة في الجنوب والحد من نفوذ جماعات إسلامية، بينما رأت الرياض في التقدم الانفصالي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ولشرعية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فضلًا عن كونه عاملًا قد يستغله الحوثيون لتعزيز مكاسبهم.

ويضيف المقال أن السعودية فسّرت تحركات المجلس الانتقالي على أنها تمت بضوء أخضر إماراتي، وهو ما اعتبرته تحديًا مباشرًا لدورها القيادي في الملف اليمني، ونوعًا من المخاطرة غير المنضبطة التي تتعارض مع استراتيجيتها الرامية إلى منع تفكك الدول المجاورة.

ولم يقتصر التباعد بين البلدين، بحسب وور أون ذ روكس، على اليمن، بل امتد إلى ملفات إقليمية أخرى، أبرزها العلاقة مع إسرائيل. ففي حين تشدد السعودية على ربط أي تطبيع بإقامة دولة فلسطينية، انسجامًا مع مبادرة السلام العربية، ترى الرياض أن السياسات الإماراتية الأكثر استقلالية في هذا الملف قد تُضعف موقعها القيادي في واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم العربي.

كما لفت المقال إلى أن التنافس السعودي–الإماراتي بدأ ينعكس على الفضاء الإعلامي، من خلال حملات متبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يرفع كلفة التسوية السياسية ويقلّص هامش المناورة الدبلوماسية بين الطرفين.

ويرى هيلير أن تداعيات هذا التباعد تتجاوز حدود الخليج، إذ باتت تؤثر في ملفات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وفي مناطق مثل القرن الإفريقي، حيث يظهر التقارب المتزايد بين الصومال والرياض على حساب أبو ظبي كأحد مؤشرات هذا التحول.

وختم المقال بالقول إن المنافسة بين السعودية والإمارات تعكس إجابتين مختلفتين عن سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي، وما مستوى المخاطر المقبول بين التدخل وضبط النفس؟ محذرًا من أن تجاهل هذا الواقع من قبل الشركاء الدوليين، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، قد يؤدي إلى سوء تقدير في منطقة لا تزال محورية لأسواق الطاقة والأمن العالمي.